فخر الدين الرازي

92

شرح عيون الحكمة

والكلام في هذه المقدمة يرجع إلى الكلام الذي يتمسك به الحكماء في مسألة القدم - وهو مشهور - المقدمة الرابعة : هب أن القول بالفاعل المختار باطل . الا أنا نشاهد أن كل واحد من الأشخاص الحيوانية والنباتية والمعدنية ، مختص بصورة مخصوصة وحيز مخصوص ومقدار مخصوص ، مع لا يمتنع في العقل أن يحصل خلاف ذلك وضده . فاختصاص كل واحد من الأجسام السفلية بصفاتها الخاصة . أما أن يكون ، لأنه وقع ذلك من غير مرجح ، أو أن كان لا بد له من مرجح ، لكن ذلك المرجح فاعل مختار ، أو ان كان ذلك المرجح موجبا بالذات ، الا أن كل حادث فإنه مسبوق بحادث آخر . والحادث المتقدم أعد المادة لقبول الحادث المتأخر . وعلى هذا الترتيب يكون قبل كل حادث حادث آخر ، لا إلى أول . وإذا عقلنا ذلك في اختصاص هذه الأجسام السفلية بهذه الصفات المخصوصة ، فلم لا يجوز مثله في اختصاص كل العالم الجسماني بموضوع معين من الخلاء الذي لا نهاية له ؟ وذلك بأن يقال : حصل في ذلك الحيز المعين لا المرجح . أو يقال : حصوله فيه بتخصيص الفاعل المختار . أو يقال : انه كان قبل أن حصل في هذا الحيز من الخلاء ، كان حاصلا في حيز آخر ، وكان حصوله في الوقت المتقدم في ذلك الحيز من الخلاء ، أعده لأن يحصل في الوقت المتأخر في الحيز الثاني من الخلاء . وعلى هذا الترتيب قد كان حصول هذا العالم في كل جزء من أجزاء الخلاء ، مسبوقا بحصوله في جزء آخر من الخلاء . وهكذا إلى ما لا نهاية له . فثبت : أن كل ما يقولونه في الأعراض المخصوصة للأجسام الثقيلة ، فنحن نقوله في اختصاص كلية العالم بالجزء المعين من الخلاء . واللّه أعلم بالصواب . * * * ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله : « ولو كان الخلاء موجودا ، لما كان يختص فيه الجسم المحيط الا بجهة تتعين » فالمراد منه : أنه لو كان الخلاء موجودا ، لوجب أن تحصل